في واحدة من أكثر اللحظات حساسية في تاريخ السياسة النقدية الأمريكية، صادق مجلس الشيوخ الأمريكي على تعيين كيفن وارش رئيساً جديداً لـ الاحتياطي الفيدرالي، بعد تصويت حاد الانقسام انتهى بنتيجة 54 صوتاً مقابل 45، في سابقة تعكس حجم التوتر السياسي والاقتصادي المحيط بقيادة البنك المركزي الأمريكي.
ويستعد وارش لتسلّم مهامه في وقت يواجه فيه الاقتصاد الأمريكي تحديات معقدة، أبرزها تصاعد معدلات التضخم الناتجة عن الحرب في الشرق الأوسط وارتفاع أسعار الطاقة، بالتزامن مع ضغوط متزايدة من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لخفض أسعار الفائدة ودعم النشاط الاقتصادي.
ويرى اقتصاديون أن وارش يدخل منصبه في لحظة شديدة الحساسية، إذ ارتفع مؤشر التضخم المفضل لدى الاحتياطي الفيدرالي إلى نحو 3.5%، مدفوعاً بالقفزة الكبيرة في أسعار الوقود والطاقة بعد اضطرابات الإمدادات المرتبطة بإغلاق مضيق هرمز.
وفي المقابل، تواصل إدارة ترامب الضغط على البنك المركزي لتخفيف السياسة النقدية وخفض تكاليف الاقتراض، في وقت تنظر فيه المحكمة العليا الأمريكية في قضية تتعلق بصلاحيات الرئيس بشأن إقالة مسؤولي الاحتياطي الفيدرالي، ومن بينهم المحافظة ليزا كوك.
وأشار محللون إلى أن وارش سيجد نفسه أمام معادلة معقدة بين احتواء التضخم والمحافظة على استقلالية البنك المركزي من جهة، والاستجابة للضغوط السياسية المطالبة بخفض الفائدة من جهة أخرى.
كما يرى خبراء أن الاعتراضات التي ظهرت داخل أروقة الاحتياطي الفيدرالي لا ترتبط فقط بالمخاوف من ارتفاع أسعار الطاقة، بل تعكس أيضاً تحفظات مبكرة تجاه أي توجه سريع نحو تيسير السياسة النقدية في ظل استمرار الضغوط التضخمية.
ومن المتوقع أن تكون أولى أولويات وارش العمل على توحيد مواقف لجنة السوق المفتوحة داخل البنك المركزي، وهي مهمة يصفها مراقبون بالصعبة، خصوصاً مع استمرار جيروم باول عضواً في مجلس الإدارة، وما يتمتع به من نفوذ وخبرة داخل المؤسسة.
ويعتقد اقتصاديون أن استمرار التضخم عند مستوياته الحالية قد يدفع الاحتياطي الفيدرالي إلى الإبقاء على أسعار الفائدة المرتفعة لفترة أطول، أو حتى العودة إلى رفعها إذا استمرت الضغوط السعرية في التصاعد.
كما أكدوا أن مسار السياسة النقدية الأمريكية خلال المرحلة المقبلة سيظل مرتبطاً بدرجة كبيرة بتطورات الحرب في الشرق الأوسط، إذ إن إطالة أمد الصراع ستزيد من المخاطر التضخمية وتفرض تحديات إضافية على الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة.
ويرى مراقبون أن النهج الحالي للسياسة النقدية —الذي يتسم بالتشدد النسبي— يمنح البنك المركزي مساحة للتعامل مع المتغيرات الاقتصادية المتسارعة، مع الحفاظ على التوازن بين دعم النمو والسيطرة على التضخم خلال الفترة المقبلة.
