يشهد الاقتصاد العالمي تحولًا جوهريًا في مقاييس الريادة والتنافسية، إذ ينتقل مركز الثقل من الدول المنتجة للطاقة إلى الدول الأكثر قدرة على إنتاج الذكاء الاصطناعي وتوظيفه على نطاق واسع، وفق ما تشير إليه التوجهات الاقتصادية والتقنية الراهنة.
ولعقود طويلة، لم تكن براميل النفط مجرد سلعة تُتداول في الأسواق العالمية، بل كانت مقياسًا للإنتاج الاقتصادي والقدرة الصناعية والتنافسية الوطنية، إذ تُشغّل المصانع وتحرّك وسائل النقل وتسرّع وتيرة النمو الاقتصادي العالمي.
غير أن مقياسًا اقتصاديًا جديدًا بدأ يفرض نفسه تدريجيًا، ويتمثل في الرموز الرقمية التي تنتجها نماذج الذكاء الاصطناعي عند كل تفاعل معها، سواء للإجابة عن سؤال أو توليد شيفرة برمجية أو تسريع الأبحاث العلمية أو تشغيل الأنظمة الذاتية.
وتُعد هذه الرموز الوحدات الأساسية التي تعالجها نماذج الذكاء الاصطناعي لفهم المعلومات وتوليد الاستجابات، ما يجعلها المقياس العملي لكمية الذكاء المُنتَج والمُقدَّم للمستخدمين.
وكما كانت براميل النفط وقود الاقتصاد الصناعي، تتجه الرموز تدريجيًا لتكون الوقود الذي يغذي اقتصاد الذكاء، دون أن يعني ذلك تراجع أهمية موارد الطاقة، بل على العكس، إذ يعتمد الذكاء في جوهره على الطاقة.
وتتمثل الميزة التنافسية في المرحلة المقبلة في قدرة الدول على تحويل الطاقة والحوسبة والبيانات إلى ذكاء قابل للتطبيق، يخلق قيمة اقتصادية حقيقية ويعزز مكانتها التنافسية.
السعودية تدخل مرحلة اقتصاد الذكاء بمقومات متعددة
تدخل المملكة العربية السعودية هذه المرحلة وهي تمتلك جملة من المقومات التي تؤهلها للعب دور ريادي في اقتصاد الذكاء، إذ أدركت مبكرًا أن الازدهار الاقتصادي المستدام لا يتحقق بمجرد امتلاك الموارد الإستراتيجية.
ويقوم هذا الإدراك على الاستثمار في البنية التحتية وتنمية الكوادر والكفاءات وبناء المنظومات القادرة على تحويل تلك الموارد إلى قيمة اقتصادية مستدامة.
وتُشير تقديرات شركة برايس ووترهاوس كوبرز إلى أن الذكاء الاصطناعي قد يُسهم بأكثر من 135 مليار دولار في الاقتصاد السعودي بحلول عام 2030، بما يعادل 12.4% من الناتج المحلي الإجمالي.
وفي منطقة الشرق الأوسط، تبلغ مساهمة الذكاء الاصطناعي نحو 320 مليار دولار، ما يعكس حجم الفرصة الاقتصادية المتاحة.
التدريب والاستدلال: من يصنع القيمة؟
يشير التحليل الاقتصادي إلى أن اغتنام هذه الفرصة لن يتحقق بمجرد اعتماد تطبيقات الذكاء الاصطناعي، بل يتطلب القدرة على إنتاج الذكاء على نطاق واسع.
وبالرغم من أن التدريب يبقى عنصرًا أساسيًا في تطوير نماذج الذكاء الاصطناعي، فإن المرحلة المقبلة ستتحدد بصورة متزايدة بقدرة المؤسسات على الاستدلال، أي تشغيل هذه النماذج على نطاق واسع داخل المؤسسات والقطاعات والتطبيقات اليومية.
ويتطور الذكاء الاصطناعي عبر دورة متواصلة تجمع بين التدريب والاستدلال، فبعد تدريب النماذج وتزويدها بالقدرات اللازمة، يصبح بالإمكان توظيفها لتوليد الإجابات والتوصيات وإصدار التنبؤات ودعم اتخاذ القرارات.
وتُسهم البيانات الناتجة عن استخدامها، إلى جانب أنماط التفاعل معها، في تحسين أدائها وتطوير الأجيال اللاحقة منها.
ومع تسارع تبني الذكاء الاصطناعي، أصبح الاستدلال المحرك الرئيسي للطلب على قدرات الحوسبة، إذ تنفذ عمليات الاستدلال بصورة متواصلة عبر ملايين المستخدمين والتطبيقات في كل ثانية.
وفي حين أن التدريب يصنع القدرات، فإن الاستدلال يصنع القيمة، وكل عملية استدلال تنتج رموزًا، ومع الانتشار المتسارع للذكاء الاصطناعي التوليدي، يشهد الطلب على هذه الرموز نموًا متواصلًا.
ومن المتوقع أن يتضاعف هذا النمو مع انتشار وكلاء الذكاء الاصطناعي الذين ينفذون عمليات متعددة تشمل الاستدلال والتخطيط واتخاذ الإجراءات بصورة شبه مستقلة، مما يؤدي إلى زيادة هائلة في طلبات الاستدلال عبر بيئات الأعمال والبحث العلمي والخدمات الحكومية والعمليات الصناعية.
البنية التحتية والطاقة في قلب المعادلة
لن تكون الدول الأكثر نجاحًا هي تلك التي تمتلك بنية تحتية ضخمة للذكاء الاصطناعي فحسب، بل تلك القادرة على إنتاج أكبر قدر من الذكاء المفيد بكفاءة واستدامة وعلى نطاق واسع.
وقد بدأت السعودية بالفعل في إرساء الكثير من الأسس والمقومات التي تؤهلها لقيادة هذا المستقبل، إذ تسهم المبادرات الوطنية في توسيع قدرات البنية التحتية الرقمية والحوسبة المتقدمة في المملكة.
وتؤدي شركة STC دورًا محوريًا في تمكين المؤسسات من الوصول إلى الخدمات السحابية والذكاء الاصطناعي والبيانات، بينما تواصل المؤسسات البحثية، مثل جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية (كاوست)، دفع حدود البحث العلمي باستخدام الذكاء الاصطناعي في مجالات تمتد من الطاقة إلى العلوم البيئية.
وتسهم هذه المنظومة مجتمعة في تحويل الاستثمار في البنية التحتية إلى ابتكار وإنتاجية ونمو اقتصادي مستدام، وفي قلب هذا التحول، ستبقى الطاقة عنصرًا أساسيًا لا غنى عنه.
وتتوقع وكالة الطاقة الدولية أن يتضاعف الطلب العالمي على الكهرباء في مراكز البيانات بحلول عام 2030، مدفوعًا إلى حد كبير بالتوسع المتسارع في استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي.
ومع تحول الذكاء إلى مورد إستراتيجي، تصبح كفاءة إنتاجه بنفس أهمية القدرة على إنتاجه على نطاق واسع.
ومن هذا المنطلق، لم يعد معيار الأداء مقابل كل واط من الطاقة مجرد مقياس هندسي، بل أصبح مؤشرًا اقتصاديًا يعكس القدرة على تحقيق قيمة أكبر من الموارد المتاحة.
فكلما ازدادت كفاءة البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، تمكنا من إنتاج قدر أكبر من الذكاء باستخدام الكمية نفسها من الطاقة، بما يسهم في خفض التكاليف وتوسيع نطاق الاستفادة من تطبيقات الذكاء الاصطناعي عبر مختلف القطاعات.
دروس الماضي وتحديات المستقبل
على مدى عقود، أثبتت المملكة أن الاستثمار الإستراتيجي والتميز الهندسي والتخطيط طويل الأمد، عوامل قادرة على تحويل موارد الطاقة إلى محرك للنمو الاقتصادي، واليوم، يتطلب اقتصاد الذكاء الالتزام بالمعايير ذاتها.
والدول التي ستقود المرحلة المقبلة لن تكون بالضرورة تلك التي تمتلك أكبر حجم من البيانات، أو أضخم نماذج للذكاء الاصطناعي، أو أكبر قدرات حوسبة، بل ستكون تلك التي تنجح في بناء منظومات متكاملة قادرة على تحويل البنية التحتية إلى ذكاء، والذكاء إلى إنتاجية وقيمة اقتصادية مستدامة.
وكان النفط الوقود الذي حرك الاقتصاد الصناعي، أما الرموز فستكون الوقود الذي سيدفع اقتصاد الذكاء.
ومن المتوقع أن تشهد السنوات المقبلة تطورًا متسارعًا في توجهات الدول نحو بناء قدراتها في مجال الذكاء الاصطناعي، مع تزايد الاستثمارات في البنية التحتية للحوسبة والطاقة، وسط توقعات بأن يتضاعف الطلب على الكهرباء في مراكز البيانات بحلول عام 2030.
