أعلن نائب وزير الخارجية الروسي سيرغي ريابكوف، الأحد، أن بلاده لا تستبعد عقد اجتماع ثلاثي يضم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وقادة الولايات المتحدة والصين، وذلك في إشارة إلى انفتاح موسكو على قنوات حوار جديدة رغم التوترات الدولية الراهنة.
جاءت تصريحات ريابكوف رداً على أسئلة الصحفيين حول إمكانية تنظيم قمة تجمع القوى الثلاث الكبرى، وأوضح أنه لا توجد حتى الآن أي خطط ملموسة لعقد مثل هذا اللقاء، لكنه شدد في الوقت نفسه على أن موسكو لا تستبعد هذه الفكرة من حيث المبدأ.
وأضاف الدبلوماسي الروسي أن الحديث عن قمة ثلاثية محتملة يأتي في سياق مناقشات أوسع حول الحاجة إلى تعزيز الاستقرار الاستراتيجي الدولي، مشيراً إلى أن روسيا منفتحة على الحوار مع جميع الأطراف المعنية، شرط أن يكون الحوار قائماً على مبدأ الاحترام المتبادل والمصالح المتوازنة.
خلفية التصريحات
تأتي هذه التصريحات في وقت تشهد فيه العلاقات الدولية توترات متصاعدة، لاسيما بين موسكو وواشنطن على خلفية الأزمة الأوكرانية والعقوبات الغربية المفروضة على روسيا، إضافة إلى التنافس الاستراتيجي المتزايد بين واشنطن وبكين في مجالات متعددة، من بينها التكنولوجيا والتجارة والنفوذ العسكري في منطقة آسيا والمحيط الهادئ.
ويرى مراقبون أن فكرة القمة الثلاثية قد تكون محاولة من موسكو لكسر الجمود الدبلوماسي القائم، أو البحث عن صيغ جديدة للحوار لا تكون محصورة في الإطار الثنائي المألوف، خاصة أن روسيا والصين أقامتا في السنوات الأخيرة شراكة استراتيجية وثيقة، في الوقت الذي تسعى فيه إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن إلى إدارة المنافسة مع بكين في إطار من التفاهم المحدود.
مواقف الأطراف المعنية
لم يصدر حتى الآن أي تعليق رسمي من الجانبين الأمريكي والصيني بشأن تصريحات ريابكوف، غير أن مسؤولين أمريكيين سبق أن أعربوا عن استعدادهم للحوار مع روسيا في ملفات محددة، مثل الحد من التسلح، والفيتو في مجلس الأمن الدولي، وكذلك القضايا الإنسانية المتعلقة بتبادل السجناء، لكنهم شددوا مراراً على أن أي حوار لن يكون على حساب دعم أوكرانيا.
أما بكين، فظلت داعية إلى حوار القوى الكبرى في إطار الأمم المتحدة أو المحافل الدولية الأخرى، مع التزامها بما تسميه مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى، مع حرصها على عدم الظهور بمظهر الطرف الذي يسعى إلى تحالفات موجهة ضد طرف ثالث.
أهمية القمة المحتملة للعالم العربي
تحظى أي تطورات في العلاقة بين القوى الثلاث الكبرى بمتابعة دقيقة من العواصم العربية، نظراً لانعكاساتها المباشرة على التوازنات الإقليمية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، خاصة في ما يتعلق بملفات الطاقة، والأمن الإقليمي، والصراعات القائمة في سوريا وليبيا واليمن، إضافة إلى مستقبل الاتفاق النووي الإيراني وترتيبات الأمن البحرية في الخليج.
ويرى محللون أن أي تقارب بين واشنطن وموسكو وبكين قد يفتح الباب أمام مراجعة المواقف الدولية من قضايا إقليمية شائكة، الأمر الذي قد يخلق فرصاً جديدة للحلول السياسية، أو على العكس، يزيد من تعقيدها إذا تحولت المنطقة إلى ساحة لتبادل المصالح بين القوى الكبرى.
وكان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قد صرح في أكثر من مناسبة بأنه يفضل الحوار المباشر مع القادة الأمريكيين والصينيين في إطار استراتيجي، غير أن مثل هذا الحوار لم يتحقق مؤخراً على مستوى القمة بسبب الخلافات العميقة حول الملفات الدولية الساخنة.
وفيما يترقب المراقبون ما ستؤول إليه هذه التصريحات، تظل الدبلوماسية الروسية معتادة على إطلاق إشارات إيجابية عن إمكانية انفتاحها على الحوار، وهو ما يراه البعض محاولة لتخفيف الضغوط الغربية أو تحويل الأنظار عن ملفات خلافية، فيما يراه آخرون مؤشراً إلى رغبة حقيقية في إعادة هيكلة الحوار الدولي.
ويتوقع أن تلقى تصريحات ريابكوف مزيداً من الاهتمام في الأيام المقبلة، خاصة إذا صدرت ردود فعل من الجانبين الأمريكي أو الصيني، وقد تسفر الجهود الدبلوماسية عن تحديد موعد قمة محتملة على هامش المحافل الدولية المقبلة، مثل قمة مجموعة العشرين أو الجمعية العامة للأمم المتحدة.
التوقعات
مع بقاء الخيارات مفتوحة، يبدو أن فكرة القمة الثلاثية بين القوى الكبرى ما زالت في مرحلة استكشافية أولى، إذ لم تحدد أي مواعيد أو أجندة أو حتى مستوى التمثيل في مثل هذا اللقاء، لكن الموقف الروسي الرسمي يشير بوضوح إلى أن موسكو لا تمانع فكرة الجلوس إلى الطاولة نفسها مع واشنطن وبكين.
ويرجح الخبراء أن أي تقدم ملموس في الملفات العالقة بين موسكو وواشنطن، لا سيما في ما يتعلق بالحد من التسلح والأمن الأوروبي، قد يشكل بوابة لبحث فكرة القمة الثلاثية، غير أن العوامل الدولية المتقلبة تجعل من الصعب التكهن بموعد أو نتيجة هذه المبادرة التي أطلقتها الأوساط الدبلوماسية الروسية.
