أعلن محمد باقر قاليباف، رئيس مجلس الشورى الإسلامي الإيراني، يوم الأحد، أن “عصر الردود المتناسبة” على الهجمات الأمريكية قد “انتهى”، متوعداً برد “أسرع وأثقل وأكثر إيلاماً” على أي عمل عسكري أمريكي. وجاءت تصريحات قاليباف خلال جلسة علنية لمجلس الشورى، في أعقاب توترات متصاعدة بين طهران وواشنطن خلال الأسابيع الأخيرة.
وأوضح قاليباف، في كلمة له، أن السياسة الإيرانية في الرد على الاستفزازات الأمريكية لم تعد تقوم على مبدأ المعاملة بالمثل أو الردود المقيدة، بل على استراتيجية جديدة تهدف إلى فرض ردع فعال. وقال: “العدو يجب أن يدرك أن أي خطأ في الحسابات سيقابل برد ساحق وفوري”، دون أن يقدم تفاصيل إضافية حول طبيعة الردود المحتملة أو الآليات التنفيذية لها.
سياق التوترات الأخيرة
تأتي هذه التصريحات في وقت تشهد فيه المنطقة تصعيداً عسكرياً متبادلاً، حيث شنت الولايات المتحدة سلسلة غارات جوية على مواقع تابعة للحرس الثوري الإيراني وجماعات مسلحة موالية لإيران في العراق وسوريا. وأعلنت واشنطن حينها أن الضربات تأتي رداً على هجمات استهدفت قواعد أمريكية في المنطقة، وأسفرت عن مقتل ثلاثة جنود أمريكيين في الأردن.
وكانت طهران قد نفت أي ضلوع مباشر في الهجوم على القاعدة الأمريكية في شمال شرق الأردن، لكنها حذرت في أكثر من مناسبة من أنها سترد بقوة على أي اعتداء يستهدف أراضيها أو مصالحها. ويُنظر إلى تصريحات قاليباف على أنها رسالة تهدف إلى تعزيز الموقف التفاوضي الإيراني في أي جولات دبلوماسية مقبلة، خاصة مع استمرار الجهود الإقليمية والدولية لخفض التصعيد.
أبعاد الموقف الإيراني
ويرى مراقبون أن تغيير اللهجة الإيرانية من “الرد المتناسب” إلى “الرد الأسرع والأثقل” يعكس تحولاً في العقيدة الدفاعية الإيرانية، ربما يكون ناجماً عن تقييمات داخلية بأن الردود السابقة لم تكن رادعة بما يكفي. ويشير هؤلاء إلى أن القيادة الإيرانية تسعى، عبر هذا التصريح، إلى إعادة ضبط قواعد الاشتباك مع الولايات المتحدة، وإيصال رسالة واضحة للبيت الأبيض بأن أي مغامرة عسكرية جديدة لن تمر دون عواقب كبيرة.
من جهة أخرى، لم يصدر حتى الآن أي رد فعل أمريكي رسمي على تصريحات قاليباف، لكن المتحدثة باسم البنتاغون كانت قد أكدت في إحاطات سابقة أن الولايات المتحدة تحتفظ بحق الرد في الوقت والمكان اللذين تختارهما، معربةً عن أملها في ألا تؤدي هذه التوترات إلى حرب إقليمية واسعة.
وتتزامن هذه التطورات مع تحركات دبلوماسية مكثفة، إذ يتواصل مبعوثون من الأمم المتحدة ودول أوروبية مع الجانبين لمحاولة احتواء الأزمة. كما تجري دول خليجية مشاورات لبحث سبل تخفيف حدة التوتر، نظراً لتأثير أي تصعيد عسكري على أمن الملاحة البحرية وحركة الطاقة من المنطقة.
تبعات إقليمية محتملة
ويثير المسؤولون الإيرانيون، ومن بينهم قاليباف، في تصريحاتهم الأخيرة إشارات مبطنة إلى قدراتهم الصاروخية والطائرات المسيّرة، مؤكدين أن هذه القدرات أصبحت أكثر تطوراً ودقة مما كانت عليه في السابق. ويُعد هذا التحذير موجهاً ليس فقط إلى الولايات المتحدة، بل أيضاً إلى حلفائها في المنطقة، في محاولة لثنيهم عن تقديم أي تسهيلات لوجستية لهجمات محتملة.
وفي غضون ذلك، يتواصل الحديث داخل المؤسسة السياسية الإيرانية عن أن المرحلة المقبلة ستشهد ردوداً تكتيكية غير تقليدية، قد لا تقتصر على المسار العسكري المباشر، بل قد تشمل أدوات الضغط الاقتصادي والسيبراني أيضاً، في إطار استراتيجية شاملة تُعرف في الخطاب الرسمي الإيراني بـ”الدفاع المقدس” بمعناه الواسع.
وتظل هذه التطورات قابلة للتغير السريع، إذ تعتمد طبيعة الرد الإيراني على سلوك الجانب الأمريكي في الأيام القادمة، وعلى مدى استعداد واشنطن لتهدئة الأجواء عبر قنوات الوساطة غير المباشرة التي لطالما استُخدمت في السنوات الماضية.
ويترقب المراقبون في المنطقة تطورين أساسيين في المرحلة المقبلة: أولاً، ما إذا كانت الولايات المتحدة ستوقف ضرباتها ضد الجماعات المسلحة المرتبطة بإيران أو ستوسع نطاقها؛ وثانياً، ما إذا كانت إيران ستنفذ تهديدها المعلن بضربات أوسع تستهدف أهدافاً أمريكية في الخليج، خاصة أن التقارير المتداولة تشير إلى أن الحرس الثوري قد يوجه الضربات القادمة نحو أهداف عسكرية محددة ذات قيمة استخباراتية، وليس مجرد مواقع رمزية. كما تترقب الأسواق ردود فعل دولية، خصوصاً على صعيد الدبلوماسية الأوروبية، التي تحاول الحفاظ على مسار خفض التصعيد حتى لا تتجه الأوضاع نحو مواجهة عسكرية شاملة يعاني أثرها الجميع.
